شهد المغرب، بعد فترة الضعف التي أعقبت وفاة المولى إسماعيل (1727م)، تحولاً في سياسته الخارجية، حيث تباينت هذه السياسة بين الانفتاح والحذر (الاحتراز) في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ففي عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757م–1790م)، سادت سياسة الانفتاح على أوروبا، بينما اتسمت فترة حكم خلفه المولى سليمان (1792م–1822م) بـ سياسة الحذر والانغلاق، هذه المقاربات المتباينة كان هدفها الأساسي هو تقوية الدولة المغربية وتحرير الثغور المحتلة، في ظل تزايد الأطماع الأوروبية.
فهرس المقال
- ما هي دوافع ومظاهر سياسة الانفتاح التي طبقها السلطان سيدي محمد بن عبد الله؟
- وما هي أسباب ومظاهر سياسة الاحتراز التي انتهجها المولى سليمان؟
- وما هي حصيلة المقارنة بين هاتين السياستين؟
أولا: طبق سيدي محمد بن عبد الله سياسة الانفتاح (1757م–1790م)
نهج السلطان سيدي محمد بن عبد الله سياسة الباب المفتوح، هدفها الأساسي تطوير التجارة الخارجية وتوفير الموارد المالية للدولة.
1. دوافع سياسة الانفتاح
- توفير الموارد: كان الاقتصاد المغربي يعاني من تقلص تجارة القوافل الصحراوية وتراجع مداخيل الجهاد البحري، مما دفع السلطان إلى البحث عن بدائل لـ توفير الموارد المالية من الخارج.
- الاستفادة من التجارة الأطلسية: أدى انتقال طرق التجارة إلى المحيط الأطلنطي إلى رغبة المغرب في الاستفادة من هذه التجارة عبر إنشاء موانئ أطلسية جديدة.
2. مظاهر سياسة الانفتاح
- الاهتمام بالموانئ الأطلسية: قام السلطان بـ إنشاء مدينة الصويرة سنة 1760م، وجلب إليها التجار النصارى.
- عقد المعاهدات: عقد اتفاقيات تجارية مع دول أوروبية عديدة (كفرنسا، إسبانيا، والولايات المتحدة الأمريكية).
- تجهيز الأسطول: اهتم بـ صيانة وتجهيز الأسطول البحري وتحديثه.
- الامتيازات: أسقط السلطان عن التجار الأوروبيين وظيفة الأعشار (الرسوم المفروضة على الواردات) لـ تحفيزهم على التجارة في المغرب.
3. نتائج الانفتاح
- ازدهار التجارة: أدى الانفتاح إلى ارتفاع رواج الموانئ المغربية الأطلسية ونمو عائدات الجمارك التي كانت تمثل ثلث مداخيل بيت المال.
- الاعتراف الدولي: عزز من العلاقات الدبلوماسية، وتم الاعتراف بـ السيادة المغربية، وشكلت الصويرة نقطة تبادل تجاري بين إفريقيا وأوروبا.
- مشاكل كامنة: أدى الانفتاح إلى تغلغل نفوذ التجار الأوروبيين، وظهرت بوادر التبعية الاقتصادية.
ثانيا: طبق المولى سليمان سياسة الاحتراز (1792م–1822م)
بعد وفاة سيدي محمد بن عبد الله، واجه المغرب في عهد المولى سليمان ضغوطاً خارجية جديدة وداخلية، مما دفعه إلى نهج سياسة الانغلاق.
1. دوافع سياسة الاحتراز (الحذر)
- التهديدات الخارجية: تهديد نابليون بغزو المغرب بعد احتلاله لإسبانيا والبرتغال، ودخول فرنسا في حرب بحرية مع بريطانيا، مما عزز تخوف المخزن.
- الأزمات الداخلية: تعرض المغرب لـ الجفاف والكوارث الطبيعية، مما أدى إلى شح المحاصيل وارتفاع الأسعار، وزيادة النقمة الشعبية.
- الحاجة للمواد الغذائية: كان الهدف هو منع تصدير المواد الغذائية الأساسية إلى أوروبا لـ حاجة المغاربة إليها.
2. مظاهر سياسة الاحتراز
- الجانب التجاري: منع تصدير المواد الغذائية (الحبوب) إلى أوروبا، وأغلق معظم المراسي الأطلسية (كـالجديدة، والعرائش، وأزمور) في وجه التجارة الأوروبية.
- الجهاد البحري: أبطل السلطان الجهاد البحري ومنع رؤساءه من القرصنة.
- الضغوط الدبلوماسية: أبدى حذراً شديداً من عقد الاتفاقيات الثنائية مع الدول الأوروبية.
ثالثا: حصيلة المقارنة وتراجع مكانة المغرب الدولية
لم تكن أي من السياستين كافية لحماية المغرب من مصير التدخل الأجنبي الشامل، لكن حصيلة المقارنة تكشف عن الأثر الاقتصادي لكل منهما.
- سياسة الانفتاح (سيدي محمد): عززت مداخيل الدولة ونشطت التجارة، لكنها زادت من التغلغل التجاري الأجنبي.
- سياسة الاحتراز (المولى سليمان): أدت إلى تقلص مداخيل الدولة من التجارة البحرية، وإعادة البلاد إلى حالة الفوضى بعد توتر العلاقة بين القبائل والمخزن.
النتيجة النهائية:أدى تزايد الضغوط الدولية على المغرب (في ظل غياب الحليف الفعلي) إلى توقيع معاهدات قاسية، مما سهل التغلغل الاستعماري الذي انتهى بـ فرض الحماية في القرن العشرين.
خاتمة
تُعدّ سياسة المغرب بين الانفتاح والانغلاق دليلاً على صعوبة إدارة التوازنات الدولية في زمن الضعف، ففي حين فشلت سياسة الانغلاق في حماية المغرب من الضغوط الأوروبية، كان الانفتاح غير المنظم سبباً في التغلغل الأجنبي، هذه التجربة التاريخية تُظهر أن تقوية الدعائم الداخلية (الجيش والاقتصاد) هي الشرط الأساسي الذي يسبق أي تعامل ناجح مع الخارج.
شاهد هذا الفيديو: المغرب بين الانفتاح و الانغلاق مادة التاريخ الثانية اعدادي، الذي يوضح هذا الفيديو دوافع ومظاهر سياسة الانفتاح والانغلاق في عهد السلاطين العلويين.



