شهد المغرب، بعد ضعف الدولة السعدية في مطلع القرن السابع عشر (الـ 17م)، حالة من التفكك السياسي والفوضى الداخلية، وزادت أطماع القوى الأجنبية (الإيبيريين و العثمانيين) في السيطرة على البلاد، في خضم هذا الضعف، استطاع العلويون، الذين ينتمون إلى آل البيت النبوي، إقامة دولتهم وتحمل مسؤولية إعادة توحيد البلاد وتقوية السلطة المركزية، تُعد هذه المرحلة التأسيسية حاسمة في التاريخ المغربي الحديث.
فهرس المقال
- ما هي أسباب ضعف الدولة السعدية وظروف قيام الدولة العلوية؟
- وكيف استطاع المولى إسماعيل توحيد البلاد وتقوية السلطة المركزية؟
- وما هي جهود العلويين الأوائل في تحرير الثغور المحتلة؟
أولا: ساهم ضعف السعديين في قيام الدولة العلوية
لم يتمكن السعديون من الحفاظ على قوتهم بعد النصر التاريخي في وادي المخازن، مما أدى إلى تمزق الوحدة السياسية للبلاد.
1. تعددت أسباب ضعف الدولة السعدية
- الصراع على الحكم: بعد وفاة السلطان القوي أحمد المنصور الذهبي (1603م)، تنازع أبناؤه على الحكم، وانقسم المغرب إلى مملكتين (إمارة فاس وإمارة مراكش).
- تجزئة النفوذ: توزعت باقي المناطق بين الزوايا، والمجاهدين، وقوى سياسية محلية (كـ قبائل الشاوية).
- التدهور الاقتصادي: تدهور الاقتصاد المغربي بفعل تضرر صناعة السكر، وانخفاض مداخيل التجارة الصحراوية (التي كانت المصدر الرئيسي للذهب)، كما عانى المغرب من تعاقب فترات الجفاف والأوبئة (كـ الطاعون الذي أهلك أعداداً كبيرة من السكان).
- لجوء الأمراء للأجنبي: أدى الصراع بين الورثة إلى لجوء أحدهم (المأمون السعدي) إلى الملك الإسباني، والتنازل له عن ميناء العرائش.
2. عوامل قيام الدولة العلوية
- النسب الشريف والدعم الشعبي: ينتسب العلويون إلى البيت النبوي الشريف، وقد أكسبهم نسبهم احترام السكان، هاجروا خلال القرن 13م واستقروا بمنطقة تافيلالت.
- البداية التأسيسية: تمت مبايعة المولى الشريف (جد العلويين) في 1631م، ثم قام ابنه المولى محمد ببناء اللبنة الأولى للدولة، تلاه أخوه المولى الرشيد الذي أخضع المغرب ووحد أجزاءه.
ثانيا: جهود السلطان المولى إسماعيل في توحيد وتقوية البلاد
يعتبر المولى إسماعيل (1672م–1727م) المؤسس الفعلي للدولة العلوية الحديثة، حيث حكم لمدة 55 سنة، واجه خلالها تحديات داخلية وخارجية كبرى.
1. توطيد السلطة المركزية
- القضاء على المعارضة: عمل المولى إسماعيل على توحيد المغرب الأقصى بعد تفككه، وقام بـ إخضاع خصومه والقوى المحلية (كالزوايا والقبائل) التي كانت تطمع في الحكم، واستمر في قتال أخيه حتى وفاته.
- جيش عبيد البخاري: أنشأ جيشاً نظامياً قوياً عُرف بـ عسكر عبيد البخاري، تكون هذا الجيش من الزنوج والحراطين، وسُمي بالبخاري لأنهم أقسموا على الولاء له على “صحيح البخاري”، كان لهذا الجيش دور كبير في توطيد السلطة المركزية وضمان الأمن.
- القلعة والإدارة: بنى المولى إسماعيل القلاع العسكرية على الطرق الرئيسية (لأغراض أمنية وجبائية)، وشيد مدينة مكناس واتخذها عاصمة لمملكته.
2. مواجهة الاحتلال الأجنبي وتحرير الثغور
ركز المولى إسماعيل جزءاً كبيراً من جهوده على تحرير الثغور المغربية التي ظلت تحت الاحتلال الإيبيري:
- تحرير الثغور: نجح في تحرير المعمورة (1681م)، وطنجة (1684م) من يد الإنجليز، والعرائش وأصيلة من يد الإسبان.
- حصار سبتة: فرض المولى إسماعيل حصاراً على سبتة دام لـ 30 سنة، وهو أطول حصار في التاريخ، رغم أنه لم ينجح في تحريرها بالكامل.
ثالثا: الأزمة بعد وفاة المولى إسماعيل وبداية الإصلاحات
أدت وفاة المولى إسماعيل إلى دخول المغرب في أزمة جديدة من الفوضى، قبل أن يستعيد استقراره.
1. مرحلة الفوضى (1727م–1757م)
- صراع عبيد البخاري: بعد وفاة المولى إسماعيل (1727م)، تدخل جيش عبيد البخاري (الأقوياء عسكرياً) في الحكم، وتوالت على العرش سلسلة من السلاطين الضعفاء، مما أدخل البلاد مرحلة من الضعف والفوضى دامت زهاء ثلاثين سنة.
2. عودة الاستقرار والإصلاحات
- المولى محمد بن عبد الله: استعاد المغرب استقراره مع تولي السلطان سيدي محمد بن عبد الله (1757م–1790م) الحكم.
- الإصلاحات: قام السلطان محمد بن عبد الله بـ إصلاح الجيش (على النمط الأوروبي)، وشجع التجارة الخارجية، وأبدى استعداداً لتطبيق إصلاحات عسكرية وإدارية.
خاتمة
نجح العلويون في إعادة توحيد المغرب وتقوية السلطة المركزية، مستغلين في ذلك نسبهم الشريف وقوة الجيش النظامي (عسكر عبيد البخاري)، إن هذا التأسيس رسخ وحدة المغرب، ومكنه من تحرير الثغور ومواجهة الأطماع الأجنبية، لكنه لم يمنع دخول البلاد في مرحلة ضعف وفوضى بعد وفاة المولى إسماعيل، الأمر الذي سهل لاحقاً الضغوط الأوروبية في القرن التاسع عشر.
لمزيد من التفصيل حول المراحل التي مر بها المغرب في عهد الدولة العلوية، يمكنك مشاهدة تاريخ المغرب : الدولة العلوية الشريفة منذ عهد المولى الشريف الى اليوم.



